صورة الإنسان في عصر العولمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

صورة الإنسان في عصر العولمة

مُساهمة  river.singer في الإثنين سبتمبر 08, 2008 11:09 am

صورة الإنسان في عصر العولمة

يشكل الإنسان حجر الزاوية في أي تصور حضاري أو مشروع تربوي ممكن أو محتمل. فالإنسان يشكل وقود الحضارة وغايتها في آن واحد. وكل مجتمع يسعى إلى تحديد صورة الإنسان الذي يمثل رمزا لعطاءاته الحضارية. وتتحدد صورة الإنسان وهويته في مجتمع ما تحت تأثير آلاف العوامل والمتغيرات الثقافية التي توجد في صلب الثقافة وفي أصل الحياة الاجتماعية. فمنذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يمتلك زمام الحضارة انطلق في سعيه إلى تحديد الصورة التي يمكنه أن يظهر فيها إلى الوجود فاعلا تاريخيا، وعمل على تحديد السمات الذاتية للإنسان في دائرة المواجهة مع التغيرات والظروف والثقافة والقيم. ومنذ ذلك العهد والمجتمعات الإنسانية تعمل على بناء الإنسان الذي يتمكن من مواجهة التحديات والمتغيرات والصعوبات من أجل بناء القوة الذاتية التي تجعل هذه المجتمعات أكثر قدرة على الحضور في دائرة الحضارة الإنسانية ومواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها مهما بلغت هذه التحديات من قوة وتأثير .
ومن يستقرئ التاريخ يجد على امتداد الآفاق وترامي المساحات الحضارية أن المجتمعات القديمة والحديثة كانت تسعى إلى بناء صورة محددة للإنسان تتجاوب مع التطلعات والتحديات التي تواجه هذه المجتمعات. لقد أعطت بعض المجتمعات للجسد بقوته ورشاقته أهمية كبرى ومثال ذلك المحارب الإسبرطي القديم ، بينما ركز بعض المجتمعات الأخرى على الجوانب العقلية كما هو الحال في التربية الأثينية التي عملت على بناء الإنسان الحكيم، وفي بعض المجتمعات نجد تركيزا على الجانب الأخلاقي والقانوني كما هو الحال في التربية الكونفوشيوسية والرومانية التي عملت على بناء الإنسان الفارس \"الجنتلمان\" ، أما في الثقافة البوذية فنجد التركيز الأكبر على الجانب الروحي لأن الروح هي الغاية والمبتدأ والخبر فعملت على بناء الإنسان الصوفي المتصوف الذي يخترق حجب الكون ويعيش لحقيقية صوفية ميتافيزيائية. وهناك بعض الحضارات التي ركزت على التكامل بين الروح والجسد والعقل كما هو الحال في التربية العربية الإسلامية في عصر النبوة الأولى والإسلام في عهد الانطلاقة والعطاء.
فلكل حضارة في تقاسيم الزمان والمكان صورة محددة للإنسان ومثل هذه الصورة كانت ومازالت ترتسم في ضوء التحديات والتطلعات والظروف الحضارية التي تحيط بكل أمة وشعب . وغالبا ما تكون الخطوة الحضارية الأولى ، التي يبدؤها مجتمع ما ، في السؤال الحضاري الأول الذي يتمثل في صيغة : ما الإنسان الذي نريده؟ ما سماته وخصائصه؟ وما هي الغاية المرجوة من هذه هذه الصورة الإنسانية؟ وما هي مبررات العمل على بنائها؟
والصورة الإنسانية التي يرسمها مجتمع لنفسه لا يجب أن تأخذ طابع التصلب والجمود بل يجب أن تكون في حالة تغاير مستمر وتطور دائم ، لأنها في نهاية الأمر رهينة للظروف والمتغيرات التي تحيط بالإنسان والمجتمع . وهذا يعني أنه لا يمكن لمجتمع ما أن يحدد صورة الإنسان فيه مرة واحدة وإلى الأبد، لأن ملامح هذه الصورة تتجاوب مع متغيرات وظروف كثيرة ، تجانس في اهتزازاتها تموجات الرمال المتحركة. وبعبارة أخرى يجب على الصورة التي يرسمها المجتمع ويرتضيها لنفسه أن تواكب مستحدثات الأيام ودواعي التطور والتبدل في ناموس الكون. ومن هنا فإن الأمم الحيّة التي تريد أن تفرض نفسها في ميدان الحضارة غالبا ما تعمل على بناء الإنسان وفق صورة قادرة على احتواء كل الأطياف الحضارية التي تفرضها حركة التقدم الإنساني . إنها تعيد النظر يوما بعد يوم في صورة الإنسان الغاية وتعمل على بناء تصورات جديدة نحو إنسان جديد يمتلك القدرة على بناء الحضارة والمساهمة في إرساء دعائمها.
إن قوة مجتمع ما وقدرته على الاستمرار والحضور بمقاييس حضارية تتمثل في قوة أفراده وفي إمكانياتهم، فالمجتمع ليس جمعا حسابيا لطاقة أفراده بل هو تكتل ذو طبيعة هندسية تفاعلية لمختلف القوى الفردية التي يتضمنها. ففي المجتمعات القديمة كان يكفي قدر من التنظيم والولاء لعصبية ما، وتوفر بعض الظروف والحظوظ التاريخية ، ثم توفر أعداد من الرجال الشجعان المؤمنين بهدف السيادة ، كان ذلك يشكل بداية لتكوين حضارة أو أمة أو مدنية. أما اليوم فإن بناء الحضارة يحتاج إلى تنوع غير محدود لمتغيرات وإمكانيات معرفية واقتصادية واجتماعية في مختلف مجالات الحياة وتجلياتها. ومع ذلك فإن بناء الإنسان المبدع الخلاق هو الشرط الأساسي في بناء الحضارة، واليوم كما يؤكد أهل العلم والعرفان تتضاءل كل الثروات والإمكانيات إزاء إمكانيات الإنسان وقدراته الذاتية ، فرأس المال المعرفي يشكل اليوم وبالمطلق مبتدأ الحضارة وخبرها.
وإذا كان الإنسان بصورته المرغوبة في معترك التحرك الحضاري يشكل أسّ الحضارة وغايتها ، فإن عملية بناء هذا الإنسان تطرح نفسها في دائرة الأنساق التربوية في المجتمعات الإنسانية . فالتربية في نهاية الأمر هي البوتقة التي يتشكل فيها الإنسان وتتحدد سماته وخصائصه بداية ونهاية ، والتربية هي الموقد الحضاري الذي يعطي المجتمع دفء الحضارة ووهج الحداثة. إنها في النهاية المؤسسة التي يمكنها أن تولد في الإنسان صورة تفيض بالقدرات والسمات البانية للحضارة .
وتأسيسا على هذه الرؤية وانطلاقا من هذه المقدمة يمكن أن نقول بأن يتوجب على أي نظام تربوي أن يقدم إجابة علمية عن سؤال الهوية الذي يأخذ صورة هذه العبارة : أي إنسان نريد ؟ وما هو الإنسان الذي يتوجب علينا أن نعمل على بنائه وتشكيله ؟ ففي السؤال الأول يقدم النظام طرحا لإشكالية الهوية بثوابتها التاريخية . وعلى خلاف ذلك فإن السؤال الثاني يحمل في ذاته صورة إشكالية أخرى تتمثل في الصورة التي يجب الاندفاعات الحضارية التي يجب علينا أن نأخذها في استراتيجيات البناء التربوي من أجل احتواء الصدمات الحضارية التي تهب وتندفع كالأمواج الهائلة في عصر عولميّ يتفجر بالتحديات والصدمات والطفرات.
إن جزءا كبيرا من أشكاليتنا التربوية تكمن في الفصل بين جوانب هذا السؤال الكبير : أي إنسان نريد؟ وهذا السؤال يدفعنا إلى تساؤل آخر وهو : أي إنسان يود النظام التربوي نريد أن يخرجه للعالم؟\"( ). وفي مجال الفصل بين مضامين السؤالين ينوه علي ماضي إلى وجود حدين وقضيتين ومطلبين. فالسؤال الأول : أي إنسان نريد ؟ يعبر عن تطلعات المجتمع والتاريخ والمدنية . أما السؤال الثاني أي إنسان يريده النظام التربوي فإنه يعبر عن تطلعات الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تسود وتهيمن في المجتمع. وبين الصورتين تقع أكثر تناقضات المجتمعات العربية حدة وفتكا وتناحرا . مختلف وتلك حقيقة تعانيها الشعوب العربية بشكل خاص، والشعوب النامية بشكل عام. فالأنظمة الاجتماعية والسياسية في مجتمعاتنا غالبا ما ترسم للإنسان صورة يكون بمقتضاها مرتكزا لعصبيات القهر والتسلط . إنها تلك الصورة التي يكون فيها الإنسان ضد الإنسان والإنسانية ، إنها صورة مشوهة ألوانها مفارقة لألوان التوجهات الحضارية . وغالبا ما تكون الصورة في نهاية الأمر على وجه التناقض من الصورة الحضارية المبدعة والخلاقة.
صورة الإنسان كما تقتضيها الحضارة هي صورة الإنسان الفاعل القادر المشارك الديمقراطي العالم الناقد المفكر المؤمن بسمو القيم الإنسانية ويؤمن بمصيرية التغير والحداثة . أما صورة الإنسان التي تريدها الأنظمة السياسية الصورة التي تفرضها على أنظمتها التربوية هي صورة الإنسان المجّهل الطيّع المذعن المستسلم الذي يؤمن بقدسية سادته وسدنة مجتمعه إيمانا تذوي معه كل اعتبارات القيم التي تتصل بالديمقراطية والحضارة . وذلكم هو التناقض العظيم الذي ينهش جسد الأمة ويدمي قلبها إنه التناقض الحضاري الكبير الذي يرمز لكل أشكال التناقض الأخرى في مجتمعاتنا . فأنظمتنا التربوية تسير على هَدْيّ أنظمة تضع الإنسان في خدمة مصالحها الأنانية الضيقة بينما يفترض بالتربية في هذه المجتمعات أن تسير على هدي صورة إنسانية مفعمة بكل القدرات التي تتفجر عطاء وحضارة .
وفي سؤال الهوية بقية أخرى وهو ما هي صورة الإنسان التي يريدها النظام العالمي لمجتمعاتنا ؟ هل هو الإنسان المبدع الخلاق ؟ أم الإنسان ذو البعد الواحد بطابعه الاستهلاكي ؟ أم هل هو الإنسان المشوه المغترب الذي يذوب ويذوي في ومضات السوق وفي متاهات الاستهلاك؟
نحن إذن أمام صور متعددة للإنسان في فضاء العولمة :
- صورة الإنسان الفاعل ، وهي صورة الإنسان كما يجب أن يكون فاعلا قادرا على مواجهة التحديات ، وهو الإنسان الذي يكون ذات الحضارة وغايتها .
- صورة الإنسان المنفعل ، وهو الإنسان ذو البعد الواحد كما يصفه ماركوز وهو الإنسان الذي غالبا ما يكون وقودا للحضارة وموضوعا لها .
وهاتان الصورتان تطابقان نوعين من المجتمعات ، هما : المجتمعات المغلوبة على أمرها المهزومة حضاريا التي تطابق صورة الإنسان المنفعل ؛ والمجتمعات الغالبة التي تهيمن وتسود وهي تطابق صورة الإنسان المبدع الفاعل ذات الحضارة وغايتها .
ويمكن أن نجد صورة الإنسان المنفعل حضاريا في توصيف إدريس هاني حيث يبلغ التصعيد ذروته في هجاء العولمة عندما يرسم لنا إطارا عاما للشخصية المعولمة النموذجية ( المنفعلة كما نعتقد نحن ) كما يراها هو وهذه هي أبرز سماتها:
أولا : شخص يرتدي آخر ما جاءت به عروض الأزياء التي يلتزم حضورها كطقس لتغذية الذوق الرفيع.
ثانيا – يتناول أغلب وجباته في الماكدونالد ويستقي معلوماته من CNN.
ثالثا - يتابع قراءاته في نيويورك تايمز …الخ.
رابعا- يفضل النزول في شيراتون أو هيلتون..
خامسا- يتكلم باللغة الإنكليزية بمهارة
سادسا – يقف من إسرائيل المتفوقة موقفا معقولا ( الشخصية المعولمة لا التزام لها ثقافيا أو أيديولوجيا أو قوميا أو دينيا ). وهذا يعني في نهاية المطاف أن إنسان العولمة إنسان متصهين ، وأن العولمة بحد ذاتها مؤامرة أمريكية صهيونية تستهدف العرب والعالم لأمركته وصهينته( ).
أما صورة الإنسان الفاعل حضاريا فهي تلك التي نجدها في توصيفات ألفين توفلر في كتابه صدمة المستقبل . فإنسان توفلر هذا يمتلك قدرة فائقة على بناء المعرفة ومعالجة المعلومات والوصل إليها في الوقت المناسب. ومن سماته نسجل ما يلي :
- يتميز بقدرة كبيرة على تمثل معطيات التكنولوجيا الحديثة ومواكبة تطورها وتقادمها.
- إنسان متفرد بخصوصياته وبعيد عن الروح النمطية.
- قادر على ممارسة النقد والتفكير النقدي .
- مشبع بإمكانيات التعلم الذاتي ومهاراته. .
- يتميز بروح الإبداع والابتكار والتجديد .
- يمتلك في شخصيته أبعاد إيمان كبير بالديمقراطية والتسامح واحترام الآخرين .
- يمتلك فلسفة شمولية متكاملة حول ماهية الوجود وغايته وطبيعة الأشياء.
- يؤمن بلا حدود بالقيمة المطلقة للحرية الشخصية وحرية التفكير
لقد بينت التجارب والأدبيات التربوية مظاهر ثابتة تتعلق بوصف الفاعلين والمبدعين في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية في عالم متغير متفجر ولا سيما في عصر العولمة. ومن السمات الثابتة للأشخاص الفاعلين في هذا المستوى يمكن أن نأتي على ذكر السمات التالية وهي السمات التي يتميز بها رجال الأعمال والاقتصاد:
1- يمتلكون معرفة مدرسية جيدة ولا سيما المراحل في مستوى المراحل المدرسية السياسية.
2-تأهيل مهني أساسي جيد يمكنهم من الصمود أمام التحولات الكبيرة التي يشهدها العصر.
3-الميل إلى تطوير الذات والشخصية نحو الصورة الأفضل دائما.
4- امتلاك كفاءة التفكير المميز.
5 - يملكون عادة حل المشكلات و اتخاذ القرارات.
6- يمتلكون عادة العمل في إطار اجتماعي.
ومن هذا المنطلق يمكن لنا العمل على بناء الاستراتيجية التربوية وفقا لهذه الصورة الإنسانية التي يتمتع بها رجال الأعمال ورجال العلم والمبدعين والمفكرين وهذا يقتضي ما يلي:
1- تنمية الروح النقدية
2-تنمية إمكانيات التجريب عند الناشئة
3- تعزيز التربية النقدية الجمالية
4- بناء روح المبادرة والفعالية
5-تعزيز القوة الأخلاقية
6-تعزيز النزعة الاجتماعية
7- - تنمية روح الثقة
8- تنمية الإحساس بالمسؤولية.
9- بناء الأخلاق الإيجابية.
تلك هي صورة الإنسان التي تسعى المجتمعات الإنسانية المتقدمة إلى بنائها وتشكيلها في قلب الأنظمة التربوية المعاصرة. وبالطبع هذه هي الصورة التي كان أفلاطون ينحتها في فلسفته التربوية، منذ ألفين وأربعمائة سنة تقريبا، إذ كان يريد بناء جمهورية يحكمها الفلاسفة والعلماء والمفكرين وجمهورية لا يكون فيه المكان الرفيع للقاصرين والضعفاء.
يصف توفلر مستقبل الحياة المستقبلية القادمة أي مرحلة ما بعد التصنيع بأن الإنسان سينصرف إلى معالجة الأفكار ويتزايد بالتالي أداء الماكينات للمهام الروتينية … إن تكنولوجيا الغد لا تحتاج إلى ملايين الرجال السطحي التعليم المستعدين للعمل المتساوق في أعمال لا نهائية التكرار، ولا تتطلب رجالا يتلقون الأوامر دون طرفة عين، مقدرين أن ثمن الخبز هو الخضوع الآلي للسلطة. ولكن تتطلب رجالا قادرين على إصدار أحكام حاسمة رجالا يستطيعون أن يشقوا طريقهم وسط البيئات الجديدة، ويستطيعون أن يحددوا موقع العلاقات الجديدة في الواقع السريع التغير، إنها تتطلب رجالا من ذلك النوع الذي وصفه س.ب.سنو بأنهم يحملون المستقبل في عظامهم ( ). إن الهدف الأول للتعليم ينبغي أن يكون رفع قدرة التكيف لدى الفرد أي تحقيق السرعة والاقتصاد في القوى التي يستطيع بها أن يتكيف مع التغير المستمر
يقول عالم الاجتماع لويد دارنو في هذا الصدد \" إن أهم مكونات شخصية أصحاب ومديري الشركات الكبرى هو تحلل ارتباطهم العاطفي بأصولهم العائلية ، لقد خلقوا أنفسهم من شباك الماضي و أصبحوا أكثر قدرة على الانتماء إلى الحاضر و المستقبل ، إنهم أناس قد تركوا بيوتهم لفظا و معنى … إنهم قادرون على الارتباط بالآخرين بسهولة و الانقضاء عليهم بنفس السهولة .

إعداد / أ.د.علي أسعد وطفة
جامعة دمشق- كلية التربية

river.singer
Admin
Admin

عدد المساهمات : 374
تاريخ التسجيل : 22/08/2008
العمر : 33

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falcon-dz.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى